محمد بن جرير الطبري

368

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن معمر ، قال : قال غير قتادة : أخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يتقدما إليه فيقولا : إنما نحن فتنة فلا تكفر . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : أخذ عليهما أن يقولا ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخذ الميثاق عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا : إنما نحن فتنة فلا تكفر ، لا يجترئ على السحر إلا كافر . وأما الفتنة في هذا الموضع ، فإن معناها الاختبار والابتلاء ، من ذلك قول الشاعر : وقد فتن الناس في دينهم * وخلى ابن عفان شرا طويلا ومنه قوله : فتنت الذهب في النار : إذا امتحنتها لتعرف جودتها من رداءتها ، أفتنه فتنة وفتونا . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي بلاء . القول في تأويل قوله تعالى : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ . قال أبو جعفر : وقوله جل ثناؤه : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما خبر مبتدأ عن المتعلمين من الملكين ما أنزل عليهما ، وليس بجواب لقوله : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ بل هو خبر مستأنف ؛ ولذلك رفع ، فقيل : فيتعلمون . فمعنى الكلام إذا : وما يعلمان من أحد حتى يقولا : إنما نحن فتنة . فيأبون قبول ذلك منهما فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه . وقد قيل : إن قوله : يَتَعَلَّمُونَ خبر عن اليهود معطوف على قوله : وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وجعلوا ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم . والذي قلنا أشبه بتأويل الآية ؛ لأَن إلحاق ذلك بالذي يليه من الكلام ما كان للتأويل وجه صحيح أولى من إلحاقه بما قد حيل بينه وبينه من معترض الكلام . والهاء والميم والأَلف من قوله : مِنْهُما من ذكر الملكين . ومعنى ذلك : فيتعلم الناس من الملكين الذي يفرقون به بين المرء وزوجه . و " ما " التي مع " يفرقون " بمعنى " الذي " . وقيل معنى ذلك : السحر الذي يفرقون به ، وقيل : هو معنى غير السحر . وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك فيما مضى قبل . وأما المرء فإنه بمعنى رجل من أسماء بني آدم ، والأنثى منه المرأة ؛ يوحد ويثنى ، ولا تجمع ثلاثته على صورته ، يقال منه : هذا امرؤ صالح ، وهذان أمران صالحان ، ولا يقال : هؤلاء امرؤ صدق ، ولكن يقال : هؤلاء رجال صدق ، وقوم صدق . وكذلك المرأة توحد وتثنى ولا تجمع على صورتها ، يقال : هذه امرأة وهاتان امرأتان ، ولا يقال : هؤلاء امرآت ، ولكن هؤلاء نسوة . وأما الزوج ، فإن أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل : هي زوجه ، بمنزلة الزوج الذكر ؛ ومن ذلك قول الله تعالى ذكره : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون : هي زوجته ، كما قال الشاعر : وإن الذي يمشي يحرش زوجتي * كماش إلى أرسد الشرى يستبيلها فإن قال قائل : وكيف يفرق الساحر بين المرء وزوجه ؟ قيل : قد دللنا فيما مضى على أن معنى السحر تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه وحقيقته بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه . فإن كان ذلك صحيحا بالذي استشهدنا عليه ، فتفريقه بين المرء وزوجه تخييله بسحره إلى كل واحد منهما شخص الآخر على خلاف ما هو به في حقيقته من حسن وجمال حتى يقبحه عنده فينصرف بوجهه